زياد علي حامد الحارثي

الإيجاز والإطناب والمساواة

الإيجاز

لغة : مصدر أوجز في كلامه إيجازاً وكل المعاني تدل على القلة والاختصار ، والكلام وجيز أي قصير([1])  .

اصطلاحاً : فقد تعددت عباراته في تعريفه وأوفاها تعريفاً ، عرض المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل من المتعارف عليه في أوساط الناس([2]) في أداء المعاني الأصلية مع الإبانة والإفصاح أو مع الوفاء بالمعنى ، وهذا النوع عده كثير من البلغاء حد البلاغة([3]) .

يقول عمر بن الخطاب : ما رأيت بليغاً قط إلا له في القول إيجاز وفي المعاني إطالة([4]) .

وقسم البلاغيون الإيجاز إلى قسمين : إيجاز قصر وإيجاز حذف([5]) .

فالضرب الأول : إيجاز القصر : وهو أداء المعنى المراد بلفظ ناقص عن متعارف الأوساط في أداء المعاني الأصلية شريطة أن يكون اللفظ وافياً من غير حذف([6]) .

وله أمثلة كثيرة في القرآن والسنة منها :

قول الرسول صلى الله عليه وسلم (أوتيت جوامع الكلم) ([7])

وقوله تعالى"ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون "([8])

قالوا : هذه الآية من إيجاز القصر ولا حذف فيها ومعناها يزيد على لفظها لأن المراد أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قُتل كان ذلك داعياً قوياً ألا يقدم على جريمة القتل ، وهذا القول أقل عبارة يمكن التعبير بها في هذا المعنى .

وقد كان للعرب القدماء عبارة في هذا المعنى هي (القتل أنفى للقتل) ([9]) ويعدونها عبارة من أوابد كلامهم ، فلما نزلت هذه الآية تظاءلت هذه المقول وظهر ضعف المخلوق أمام الخالق .

ولنتأمل هذين النصين مع أنه لا وجه مقارنة بين عبارة القرآن مع عبارة العرب من جهة المعاني المتولدة منها ومن جهة الصياغة اللفظية أيضاً .

1-    حروف الآية عشرة أحرف وحروف المثل العربي أربعة عشر حرفاً ، والقرآن كلمتان فحسب ، أما المثل أربع كلمات ، وما كان أقل لفظ مع الوفاء بالمعنى كان أبلغ([10]) .

2-    إن الآية صرحت بالمطلوب وهو "حياة" والتصريح بها أقوى زجراً عن القتل بغير حق لكونه أدعى للقصاص ، أما القول العربي فهو يدل على الحياة لزوماً لا نصاً ، والنص في هذا السياق أولى وأجدر([11]) .

3-    في القرآن تنكير لكلمة "حياة" لتفيد النوعية والتعظيم أو هما معاً ، وذلك أن في تشريع القصاص حياة من هم بالقتل وحياة المهموم بقتله وحياة كل من تسول له نفسه قتل غيره وحياة ذلك الغير وبذلك حياة الجميع ولا أعظم من تلك الحياة التي تنجو منها كل النفوس من تلك الجريمة الشنعاء([12]) .

4-    وقد قيل من التعظيم المستفاد : أنهم كانوا يقتلوم القاتل وكثيراً من عشيرته ولا يكتفون بواحد ، ولما شرع القصاص كان في ذلك حياة للأبرياء([13]) .

5-    أما معنى النوعية المستفادة من التنكير ووجهوه بأن في القصاص نوع من الحياة الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بوجوب القصاص فالإنسان إذا هم بالقتل تذكر القصاص فارتدع عن القتل فيسلم صاحبه من القتل ويسلم هو من القصاص أيضاً ([14]).

6-    وقالوا إن في الآية عموم ، لأن صاحب القصاص مطلق في أي وقت ولكل فرد سبب في الحياة ، أما القول العربي في ظاهره فليس مطرد إذ ليس كل قتل أنفى للقتل بل يكون أنفى له إذا كان قصاصاً،ويكون أدعى له إذا كان ظلماً وعدواناً([15]) .

7-    وقالوا إن الآية خالية من التكرار اللفظي الذي هو من عيوب الكلام ، وأن الآية جعلت كالمنبع والمعدن للحياة بإدخال في عليه ، أما العبارة فخالية من هذا ([16]).

8-    وقالوا إن النص القرآني محلى بحلية الطباق فالقصاص ضد الحياة ، والطباق يظهر المفارقة العجيبة باجتماع الضدين ، والقول العربي عاطل من هذه الحلية([17]) .

9-    قالوا إن الآية استغنت عن قول المحذوف ، بخلاف القول العربي ، وما لا يحتاج إلى تقدير أولى وأفضل([18]) .

10-          قالوا إن الآية أحسن تلاؤماً للحروف من القول العربي .

أما الضرب الثاني : إيجاز الحذف : والمحذوف إما جملة أو جزءاً من جملة أو أكثر من جملة .

ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى "واسأل القرية" أي أهلها ، وقوله "حرمت عليكم الميتة" أي تناولها ، وهذا حذف للمضاف([19]) .

وإما حذف للموصوف كقول الشاعر :

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ، أي ابن رجل جلا([20])

وإما شرط ما سبق أو جوابه ، وهو ضربان : أحدهما أن يحذف لمجرد الاختصار كقوله تعالى "ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى" أي لكان هذا القرآن ، وكذلك قوله تعالى "ولولا فضل الله عليكم ورحمته"([21]) .

والضرب الثاني : يحذف للدلالة على أنه شيء عظيم لا يحيط به الوصف ، كقوله تعالى "وسيق الذين اتقوا إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" وقوله تعالى "ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم "([22]) قال السكاكي :هي المحنة والشدائد فقد بلغت شدتها وفضاعة شأنها مبلغاً يبهت الوصف معه لا يجير ببنت شفةٍ ، أي يجيب بكلمة([23]) . ومنه قوله تعالى "ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً" وذكر السكاكي أن في هذه الآية لطائف ومعاني يتوقف بيانها عند النظر في أصل المعنى ، وله مراتب في هذا الكلام البليغ([24]) .

وقالو هذه الآية أبلغ من قول القائل شاب مفرقي من أوجه :

1-    إسناد الاشتعال للرأس لإفادة الشمول .

2-    الإجمال والتفصيل في طريق التمييز .

3-    تنكير شيباً للمبالغة ([25]).

الإطناب

في اللغة : مصدر أطنب الرجل في كلامه إذا بالغ فيه وطوّل ذيوله في إطالة المعاني([26]) .

أما في اصطلاح البلاغيين : أداء المعاني بعبارة زائدة عما يتعارفه أوساط الناس بالتعبير عنه عند أدائهم أصل هذا المعنى بشرط أن يكون المتعارف لأوساط الناس لفائدة([27]) .

وهذا الشرط يخرج التطويل والحشو لأن الزيادة فيهما لغير فائدة ، وكذلك قالوا: الإطناب بلاغة والتطويل عيب ، وقالوا أيضاً :إنما يكون لتفضيل المعنى وما يتعلق به في المواضع التي يحسن فيها ذكر التفصيل فإن لكل واحد من الإيجاز والإطناب موضع أولى به من الآخر لأن الحاجة إليه أشد والاهتمام به أعظم([28]) .

وقد فرق البلاغيون بين التطويل المعيب الذي يدل على عجز والإطناب الممدوح الذي يدل على التمكن والمقدرة البيانية وحسن المعرفة بسياسة الألفاظ والمعاني ، لأن المطوّل في كلامه كمن يسلك طريقاً بعيداً ليصل إلى غرضه جهلاً بالطريق القريب فيتحمل مشقات ليس لها فائدة ، أما المطنب البليغ كمن يسلك طريقاً بعيداً لما فيه من النزهة الكثيرة والفوائد الجمة العظيمة([29]) .

ومن دواعي الإطناب العامة تثبيت المعنى المراد وتمكينه والتوكيد إلى آخر هذه المعاني . ومن المقامات التي يستحسن إليها الإطناب الوعظ والإرشاد وغيرها . وقد تتبع البلاغيون الإطناب في الموروث الأدبي فحصروا له أبواباً ووضعوا له مصطلحات وذكروا له أغراضاً بلاغية لتكون نماذج لتتبع ومعرفة أسرار الكلام ، وقد أوردها القزويني في كتابه الإيضاح في علوم البلاغة شملت ما تقدم عند سابقيه من البلاغيين وتعتبر في نظري من أوفاها ([30]).

    وأول هذه المصطلحات :

1-    الإيضاح بعد الإبهام وفروعه : وذكروا له أغراضاً ، قالوا يرى المعنى في صورتين مختلفتين ويتلقاه المستمع مرتين بان علمين خير من علم واحد لماذا ؟

ليتمكن المعنى في النفس فضل تمكن ، لأن المعنى إذا ألقي على سبيل الإجمال تشوقت النفس لمعرفته على سبيل التفصيل والإيضاح .

ومن محاسن الإيضاح بعد الإبهام : تفخيم المعنى وتعظيمه : وقد ذكروا له شواهد من القرآن الكريم ،قال تعالى "ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري" قالوا : اشرح لي يفيد طلب شرح لشيء ما ، أي اشرح شيئاً ما ، وقوله: "صدري" يريد تفسيره وبيانه وعلى هذا قوله "ويسر لي أمري" . والمقام الذي قيل فيه هذا الكلام يقتضي التأكيد لأن قوله تعالى : "اذهب إلى فرعون إنه طغى" أمر فيه تلقي وتحمل لأعباء الرسالة ، وعندما ذكر المشروح والميسر مرتين، مرة مبهمة ، وأخرى موضحة ومفصلة ، لأنه لو لم يطنب في هذا الكلام لما أفاد التأكيد .

ومنه قوله تعالى : "يا أيها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله واليوم الآخر وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم " حيث نجد إيضاح التجارة بعد إبهامها من الفخامة والعظمة في النفس ومن مدح الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ما لا نجده فيما لو قال: الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس تجارة تنجيكم من عذاب أليم .

وعد بعض البلاغيين نعم وبئس من باب الإيضاح بعد الإبهام في قولهم نعم الرسول ، ونعم محمد ، أو نعم زيد وبئس عمرو، وجعلوا مبتدأ الخبر محذوف وعدوه من الإطناب ، لأن الكلام مركب من جملتين إحداهما مركبة وهي نعم الرسول ، والأخرى مزيلة للإبهام وهي محمد .

ومن وجوه حسن أسلوب الإيضاح بعد الإبهام إذا استخدم في مجاله الصحيح أمران :

الأول: إظهار الكلام بمظهر الاعتدال أي التوسط بين الإيجاز الخالص والإطناب الخالص بمعنى ليس إيجازاً ولا إطناباً محض .

الثاني : إيهام الجمع بين المتضادين (الإيجاز والإطناب) وكلا الأمرين مما تستسهله النفوس وترتاح إليه لأن كلا الأمرين قائم على الاعتدال والاعتدال من محاسن الكلام .

2-    التوشيع : وهو في اللغة : لف القطن بعد الندف .

أما في الاصطلاح : أن يؤتى بمثنى مفسر باسمين أحدهما معطوف على الأخر ، أو جمع مفسر بأسماء معطوف بعضها على آخر . مثل : طالب علم ، وطالب مالٍ . وكذلك " يشيب ابن آدم ولا يشيب فيه خصلتان : الحرص ، وطول الأمل "

3-    ذكر الخاص بعد العام ، أو عطف الخاص على العام

ونكتته البلاغية هي التنبيه على فضله وتمييزه حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلاً منزلة التغاير في الذات ، ولذلك قالوا : هذا مما يسوغ عطفه عليه ، ولذلك فإن ذكره منفرد في العام قبله إنما يكون من أجل مزية يمتاز بها حتى كأنه بفضله جنس برأسه لا يشمله العام .

والوصف الذي يمتاز به الخاص عن العام يكون وصف شريف ، وقد يكون عكس ذلك ، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى "من كان عدواً لله وملائكته ورسوله وجبريل وميكال" فجبريل مع كونه من جنس الملائكة فإنه صاحب منزلة أرفع لكونه أمين الوحي ومبلغ الرسالات ولذلك خص بالذكر في الليلة المباركة ، ومنه "تنزل الملائكة والروح" والروح جبريل لما له من منزلة رفيعة فنزله في ذكر العام وأخرى في وجه الخاص . ومن عطف العام على الخاص قوله تعالى "حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى" فمعلوم أن الصلاة الوسطى على أرجح الأقوال هي صلاة العصر وجاء الوجه الخاص عليها بعد ذكر الصلوات لعدة أسباب منها :

كون وقتها وقت تكاسل ، ولأنه وقت راحة للبدن بعد الجهد الذي يلاقيه وقت العمل فلزم التنبيه عليها خصوصاً للمحافظة عليها مع وجود المشقة في أدائها .

ومنه قوله تعالى "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ..."

ومن الصور الأخرى ذكر العام بعد الخاص

لإفادة العموم مع عناية بشأن الخاص لذكره مرتين , مره لذكره وحده , ومرة مندرجاً تحت الخاص مثل قوله تعالى "رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات " , دعاء للمؤمنين والمؤمنات لفظان عامان يندرج فيهما من قبلهم حيث بدأ بالدعاء لنفسه ثم لوالديه ثم لمن دخل بيته مؤمناً ثم لعامة المؤمنين والمؤمنات .

ومن صور هذا النوع قوله تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " معلوم أن النسك هو العبادة , وهو أعم من الصلاة , والصلاة داخلة تحتها , وذكرها بعد الصلاة لإفادة عموم الإخلاص لله في العبادة مع العناية الخاصة بالصلاة , لماذا؟ لأنها عماد الدين .

4-    التكرار:قالوا قد يتكرر فيه المفرد والجملة , وذكر منها البلاغيون ما يلي :

الأول : التكرار لتأكيد الردع والإنذار كقوله تعالى " كلا سوف تعلمون , ثم كلا سوف تعلمون " فقوله كلا بالردع والزجر عن الاهتمام بالدنيا والتلهي بها عن الآخرة , وقوله "سوف تعلمون " إنذار وتهديد بما ينتظره من العذاب لسبب ما هم فيه من ظلال , ذلك لأن المخاطبين بهذه العبارة وبهذه الصورة لمَّا تكاثروا في الأموال وشغلهم ذلك عن عبادة الديان زجرهم الله بقوله " كلا " وأنذرهم بقوله " سوف تعلمون " لأنكم تعلمون أنكم سوف تعلمون الخطأ بما أنتم فيه إذا شاهدتم أهوال يوم القيامة ثم أكد هذا الزجر بقوله " ثم كلا سوف تعلمون " وفي العطف بثم دلالة على أن الردع والإنذار الثاني أبلغ وأشد مما سبق , وذلك لأن الأصل في العطف بثم إفادة الترتيب والتراخي الزمني , وقد نأتي بالتراخي والبعد المعنوي تنزيلا لبعد المرتبة منزلة بعد الزمن , وهذا حاصل في هذه الآية .

الثاني : زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليؤخذ تلقي الكلام من المخاطب واستحالته , ومن الأمثلة قوله تعالى " وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد , يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار " , فتكرر يا قوم لقلوب قومه واستمالتهم , وذلك حتى لا يشكُ في إخلاصه لهم فيأخذوا نصحه بالقبول لأنهم قومه وعشيرته الذين يتمنى لهم الخير كما يتمناه لنفسه .

وقد يكون التكرار لطول في الكلام يخشى معه غفلةً عما ذُكر أولا فيعاد الأول مرة ثانية , تطرية له , وتجديداً لقصده , ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى " ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم " , أعاد إن واسمها لطول في الكلام بين اسمها وخبرها للغرض الذي تبين سابقا .

وقد يكون التكرار لتعدد المتعلق لتهويله وتعظيم شأنه كما في قوله تعالى "فبأي آلاء ربكما تكذبان ".

5-    الإيغال : مأخوذ من أوغل فلان في البلاد , وقد خصه البلاغيون بالشعر , والصحيح أنه يجري في الشعر والنثر , ولذلك عرفه البلاغيون بختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها , ومنه قوله تعالى " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين , اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون "

قالوا : "وهم مهتدون " إيغال بأن المعنى يتم بدونه , إذ إن المرسلين مهتدين لا شك في ذلك فذكرهم حينئذ يكون تصريح بما هو معلوم التزامه لكن في التصريح يوصف الاهتداء ما يحفزهم ويرغبهم ترغيباً شديداً إلى إتباعهم إتباعاً شديداً .

زيادة المبالغة في التشبيه : وذكر البلاغيون شاهداً في ذلك بقول الخنساء ترثي أخاها صخراً :

وَإِنَّ صَخراً لَتَأتَمَّ الهُداةُ بِهِ       كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نارُ

هنا الخنساء لم تكتفِ بالتشبيه بالعلم وهو الجبل , حتى جعلت في رأسه ناراً , وقولها : كأنه علم وافٍ بمقصدها وهو التشبيه بما هو مشهور , فيكون قولها : في رأسه نار كلام يتم المعنى بدونه فلما ذكرت الإيغال زادت في ظهوره واشتهاره,وكل زيادة في وصف المشبه به زيادة في وصف المشبه .

6-     التذييل : وهو في اللغة جعل الشيء ذيل لشيء آخر .

أما في الاصطلاح : فهو تعقيب الجملة بجملة أخرى لا محل لها من الإعراب دالة على معنى الأولى لقصد التقوية والتقرير للمعنى الأول .

وقد قسموه من جهة استقلاله بنفسه أو عدم استقلاله إلى نوعين :

الأول : الذي لم يخرج مخرج المثل , وهو الذي لا يستقل بإفادة المراد بل يتوقف على إفادة ما قبله , ومثال ذلك قوله تعالى " ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور " في قوله : " وهل نجازي إلا الكفور " تذييل لتقرير ما استفاد من سابقه لأن الآية تتكلم عن قوم سبأ وإرسال سيل العرم , ولذلك الكلام يكون تقريراً لما استفيد من سابقه , أما إذا أراد بالجزاء الثواب والعقاب فالرأي مختلف والمعنى قائم  بذاته غير محتاج لما قبله .

النوع الثاني : الذي يخرج مخرج المثل :

أي يكون المعنى مستقل بذاته كقوله تعالى " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " جارٍ مجرى المثل , ويتحمل معنى كلي .

 

المساواة

لغة : المعادلة

وفي اصطلاح البلاغيين : هي أن تكون العبارة عن المعنى بمقدار أصل المراد المتعارف عليه بين أوساط الناس ، لا ناقصة عنه بحذف أو غيره ، ولا زائدة عليه بنحو تتميم أو تكرير أو اعتراض([31]) .

فالمساواة بهذا المعنى نمط من الكلام أثنى عليه الحذاق واعتبروه من الكلام العالي كسائر فنون الكلام البليغ .

فحازم القرطاجني : يراها بمقياس الفضائل وخير الأمور أوسطها ([32]). و أشار القائل بقوله كأن ألفاظه قوالب لمعانيه أي لا يزيد بعضها على بعض ولا يفضل أحدهما على الآخر ([33]).

وفي شرح التلخيص قالوا : إن أسلوب المساواة لا يمدح ولا يذم([34]) إذا صدر من العوام لعدم إدراكهم لمقتضيات الأحوال واكتفائهم لما يؤدي نفس المعنى على أي وجه من الإسناد ، وذكر بعض البلاغيين أن هذا الأسلوب نادر الوقوع في الكلام البليغ ، ليس معنى هذا أنه كثير الوقوع في كلام العوام إنما هو نمط صعب في الأداء الفني لا ينهض بصياغته إلا من أوتي الدقة والذوق باختيار الألفاظ المناسبة ونظمها في صورة تؤدي الغرض على أكمل وجه،وهذا هو سر ندرتها .

ومثال ذلك قوله تعالى "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله "([35])

نحن لو تأملنا هذا النص القرآني على افتراض عبارة الأوساط لأداء هذا المعنى لتكن (يضر المكر صاحبه مضرةً شديدةً) .إلا أن الآية القرآنية وإن كانت مساوية لعبارة الأوساط في أداء المعنى إلا أنها تحتوي على معانٍ ثانوية عديدة تجعلها متميزة بالثراء المعنوي ، وأول ما نلحظه هو :

1-    الاستعارة التبعية في (يحيق) لأنها بمعنى يحيط الذي يستعمل في الماديات لتجسد شمول ضرر المكر .

2-    ثم إن فيها حذف لأداء المعنى لأن المعنى لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ، ذلك أن المكر نفسه لا يحيق بل ضرره وعاقبته .

3-    قد يكون الكلام بلا حذف على أنه مجاز مرسل معبر فيه بالسبب عن المسبب تصويراً لما قاده المكر الذي يراد به إنزال الضرر بالآخرين .

4-    ثم تأمل الاستثناء المفرغ ، فيه إيجاز بحذف المستثنى منه مدلول عليه بقوة الفحوى ، والتقدير لا يحيق المكر السيئ بأحد إلا بأهله .

5-    ثم إن في الآية إيجاز قصر ، تحقق بأسلوب النفي والاستثناء ، وهو كما يقول البلاغيون : قوة جملتين في جملة واحدة ، الأولى مثبتة والأخرى منفية .

6-    في الآية أمر آخر وهو الإطناب في وصف المكر بالسيئ ، لأن المكر لا يكون إلا سيئ ، وهذه الزيادة للتشديد والتأكيد ، وهذه معانٍ ثانوية فوق المعاني التي عبر عنها الأوساط .

ومن أمثلة المساواة أيضاً : قول النابغة الذبياني([36]) :

فَإِنَّكَ كَاللَيلِ الَّذي هُوَ مُدرِكي       وَإِن خِلتُ أَنَّ المُنتَأى عَنكَ واسِعُ

حيث شبه ممدوحه بالليل لوصوله كل مكان وشمل كل الآفاق ، وآثر الليل على النهار ، لأنه وصفه أثناء سخطه ، والمعنى لا يفوت السلطان ولو أمعن في الهرب وسار إلى آخر الأرض لسعة ملكه ،وطول يده ، ولأن له في جميع الآفاق مطيع لأمره ، وسلطانه شمل كل البلاد .



 ([1])الطراز : العلوي (2/69)

([2]) مفتاح العلوم : السكاكي (388)، الإيضاح: القزويني (175)، تلخيص المفتاح : القزويني (119)

 ([3])المستطرف في كل فن مستظرف : الأبشيهي (1/95) ، الكشكول : بهاء الدين العاملي (1/283)

 ([4]) ديوان المعاني : أبو هلال العسكري (2/91)

 ([5])الإيضاح: القزويني (180-183)، تلخيص المفتاح : القزويني (121-122)

 ([6])الإيضاح: القزويني (180)، الطراز : العلوي (2/73-101)

 ([7])الطراز : العلوي (2/69)

 ([8])مفتاح العلوم : السكاكي (388)، الإيضاح: القزويني (180)، تلخيص المفتاح : القزويني (121)، الطراز: العلوي(2/101)

 ([9])نفس المصادر السابق ونفس الصفحات

 ([10])الإيضاح: القزويني (180)، تلخيص المفتاح : القزويني (121)، الطراز: العلوي(2/101)

 ([11])الإيضاح: القزويني (180)

 ([12])الإيضاح: القزويني (180)، تلخيص المفتاح : القزويني (121)

 ([13])نفس المصادر السابقة ونفس الصفحة

 ([14])نفس المصادر السابقة ونفس الصفحة

 ([15])الإيضاح: القزويني (180)، تلخيص المفتاح : القزويني (122)

 ([16])الإيضاح: القزويني (181)، تلخيص المفتاح : القزويني (122) ، الطراز : العلوي (2/101)

 ([17])الإيضاح: القزويني (181)، تلخيص المفتاح : القزويني (122)

 ([18])الإيضاح: القزويني (181)، تلخيص المفتاح : القزويني (122) ، الطراز : العلوي (2/101)

 ([19])الإيضاح: القزويني (183)، تلخيص المفتاح : القزويني (122) ، الطراز : العلوي (2/82)

 ([20])الإيضاح: القزويني (183)، تلخيص المفتاح : القزويني (122)

 ([21])الطراز : العلوي (2/89)، الإيضاح: القزويني (184)

([22]) الإيضاح : القزويني (183)

  ([23])مفتاح العلوم : السكاكي (1/123)(د.ط)

 ([24])مفتاح العلوم : السكاكي (396) ، الإيضاح : القزويني(185)

 ([25])الإيضاح : القزويني (186)

 ([26])الطراز : العلوي (183)

 ([27])مفتاح العلوم : السكاكي (388) ، الطراز : العلوي (183) ، المطول : التفتازاني (481)

 ([28])مفتاح العلوم : السكاكي (388)

 ([29])النكت في إعجاز القرآن الكريم : الرماني باب الإيجاز .

 ([30])جميع المصطلحات مستخلصة من كتاب الإيضاح للقزويني وهي شاملة لما سبقه من البلاغيين وتعتبر أوفاها إن شاء الله .

 ([31])مفتاح العلوم : السكاكي (386) ، المطول : التفتازاني (481)

 ([32]) منهاج البلغاء وسراج الأدباء : حازم القرطاجني ( 19) (د.ط)

 ([33])كتاب الصناعتين : أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري ، دار النشر : المكتبة العصرية  - بيروت - 1406هـ (1/179).

 ([34])مفتاح العلوم : السكاكي (387)

 ([35])المطول : التفتازاني (483) ، الإيضاح : القزويني (179) ، تلخيص المفتاح : القزويني (121)

 ([36])المطول : التفتازاني (484) ، الإيضاح : القزويني (180) ، تلخيص المفتاح : القزويني (121)

 

أرسل الصفحة لصديق إطبع هذه الصفحة أبلغ عن خطأ في الصفحة أضف رابط الصفحة لموقعك
آخر تحديث 8/21/2011 9:28:30 PM